المقريزي

303

المقفى الكبير

القرآن ، قصدا لتبكيتهم ولاتّساع نطاقه ، وقوّة سبحه في العلوم الدنيويّة والأدبيّة والنجوميّة ، وإفراط ذكائه وفطنته وسرعة خاطره وجودة بديهته . وكان مؤدّبه أبو الحسن علي بن القارح دوخلة . فقال له يوما علي بن الحسين المغربيّ : أنا أخاف همّة ابني أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا وردا لا صدر عنه . فإن كانت الأنفاس ممّا يحفظ ويكتب فاكتبها واحفظها وطالعني بها . فلمّا كان في بعض الأيّام قال أبو القاسم لمؤدّبه دوخلة : ترضى بالخمول الذي نحن فيه ؟ فقال : وأيّ خمول هنا ؟ تأخذون من مولانا الحاكم بأمر اللّه في كلّ سنة ستّة آلاف دينار ، وأبوك من شيوخ الدولة وهو معظّم مكرّم . فقال : أريد أن تصير إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب ولا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان والنسوان . فأعاد دوخلة ذلك على أبيه ، فقال : ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه - وقبض على لحيته وهامته - وصدقت فراسته في أبي القاسم . وقتل الحاكم بأمر اللّه أبو علي منصور ابن العزيز باللّه ، أبا الحسن علي بن الحسين المغربيّ والد الوزير أبي القاسم ، وقتل أخاه أبا عبد اللّه محمد عمّ الوزير [ 457 ب ] أبي القاسم ، وقتل محسنا ومحمّدا ، أخوي الوزير أبي القاسم ، لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربعمائة . [ التجاؤه إلى بني الجرّاح بعد نكبة أسرته ] ففرّ الوزير أبو القاسم من مصر في هيئة جمّال ، للثاني من ذي القعدة المذكور ، وتوجّه إلى الشام مع بعض العربان ، ونزل محلّه حسّان بن المفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطائيّ ، واستجار به من الحاكم فأجاره . وأنشد عندما دخل عليه [ الكامل ] : أمّا وقد خيّمت وسط الغاب * فليقسونّ على الزمان عتابي يترنّم الفولاذ دون مخيّمي * وتزعزع الخرصان حول قبابي وإذا بنيت على الثنيّة خيمة * شدّت على كسر القنا أطنابي وتقوم دوني فتية من طيّئ * لم تلتبس أثوابهم بالعاب يتناثرون على الصريخ كأنّما * يدعون نحو غنائم ونهاب 5 من كلّ أهرت يرتمي حملاقه * بالجمر يوم تسايف وضراب « 1 » يهديهم حسّان يحمل بزّة * جرداء تعليه جناح عقاب يجري الحياء على أسرّة وجهه * جري الفرند بصارم قرضاب كرم يشقّ على التّلاد وعزمة * تغتال بادرة الهزبر الضابي « 2 » 10 ولقد نظرت إليك يا ابن مفرّج * في منظر ملء الزمان عجاب والليل ملتفّ الذوائب بالقنا * والحرب سافرة بغير نقاب فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكا * والذّعر يلبس أوجها بتراب [ 391 أ ] ورأيت بيتك للضيوف ممهّدا * فسح الظلال مرفّع الأبواب

--> ( 1 ) الأهرت من صفات الأسد ، والحملاق بالكسر والضم : باطن العين . ( 2 ) الضابي ( من ضبا ) : المشرف على القوم المترصّد لهم .